آقا بن عابد الدربندي
82
خزائن الأحكام
الواردة في هذا المضمار مختلفة فالحكم في بعضها موافق لمقتضى هذه القاعدة وفي بعضها مخالف لكليتها وان وافقها في الجملة وفي بعضها لا يوافقها أصلا كما لا يخفى على المنبع وذلك كما في موارد النجاسات والشهادات والمنازعات والدّعاوى ونحوها ففي صحيحة الحلبي عن الصادق ع قال سئل عن رجل جمال استكرى منه إبل وبعث معه زيت إلى ارض فيزعم ان بعض الزقاق انخرق فاهراق ما فيه فقال ع ان شاء اخذ الزيت ولكنّه لا يصدق الا ببيّنة عادلة الحديث وهذا صريح في عدم حمل قوله على الصّدق وفي موثقة سماعة قال سألته عن رجل تزوح أمة وتمتع بها فيخبر الثقة أو غيره انّ هذه امرأتي وليست ببينة فقال ان كان ثقة فلا يقربها وان كان غير ثقة فلا يقبل سنة الحديث وهذا مخالف لكلية القاعدة وكذا موثقة عمار عن الصادق ع انه سئل عن الرّجل يأتي بالشراب فيقول هذا مطبوخ على الثلث فقال ان كان مسلما ورعا مأمونا فلا باس ان يشرب ؟ ؟ ؟ منه الحديث ووجه العجب منه ظ حيث إنه قد غفل عن أن القاعدة مما تقبل التخصيص ما لم تبلغ درجة أصول المذهب بالمعنى الاخصّ اى كان يكون من قبيل قاعدة الحر لا يصير رقا على أن الخبر الأول معارض لاخبار أخر في مورده وقد صار جمع من المحققين كالمحقق والشهيد الثاني ره إلى عدم الضمان حين فقد البيّنة للمكارى والملاح تعليلا بأنهم امناء وحملوا الخبر على صورة التفريط ونحوه والجواب عن الثاني واضح بل هو مما على طبق الأصل فان الرّجل المدّعى الغير الثقة إذا ادّعى زوجيّة هذا المرأة فقد ادّعى فساد هذا العقد والمرأة تدعى صحّتها فقدّم المعصوم ع قولها وبعبارة أخرى ان قوله معارض بفعلها فيقدّم فعلها لما أشرنا اليه وعن الثالث بأنه معارض بالقاعدة المسلمة حتى عند هذا القائل وهي قاعدة كل ذي عمل مؤتمن على عمله فيحمل على الاستحباب أو على صورة ما كان الطابخ ممن يستحيل المطبوخ فيما دون الثلث وأعجب العجائب تسديد مطلب وتأكيد مرامه بقوله ويكفيك في عدم الكلّية ما ترى من اشتراطهم في الشهادة العدالة والتعدد وانضمام الحلف إلى أن قال ولا يعلم في الموارد التي يكون الحكم فيها موافقا للقاعدة انه لأجل ما يقتضيه تلك القاعدة بل لعلّه انما هو لخصوص المورد أو علّة أخرى كما هو الظاهر من التخصيص بالخمسة وفي مرسلة يونس عن أبي عبد اللّه ع قال خمسة أشياء يجب على الناس ان يأخذوا بظاهر الحال الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات فإذا كان ظاهره مأمونا جازت شهادته ولا يسأل من باطنه قال صاحب الوافي ره في بيانه من المتولى لأمور وغيره إذا ادعى نيابته أو وصايته والمباشرة لامرأة إذا ادّعى زواجها والمتصرف في تركة الميّت إذا ادّعى نسبه وبائع اللحم إذا ادعى تزكيته والشاهد على امر إذا ادّعى العلم به ولا معارض لهؤلاء يقبل أقوالهم بشرط ان يكون مأمونا بحسب الظاهر انتهى ولذا تريهم لا يقتصرون في بعض الموارد على المسلم الذي هو موضع القاعدة كما في ذي اليد وذي العمل فيسوّون في البناء على الصحّة والصدق بين المسلم وغيره من اليهود والنّصارى والمجوس وبالجملة لا يعلم من مطابقة حكم الاخبار أو فتوى العلماء الأخيار في بعض الموارد بهذه القاعدة انه لأجلها ولا يثبت منها شيء ينفع في ثبوت القاعدة وقد ظهر مما ذكرنا انّه لا دليل على وجوب حمل افعال المسلم بل ولا الثقة منه وأقواله على الصحّة والصدق على سبيل الكلية بحيث يصير أصلا مأخوذا به لا يتخلّف عن مقتضاه الا بدليل وان كان كذلك في بعض الموارد بأدلة خاصّة به من اجماع أو كتاب أو سنة كما في باب الذبائح والتذكية وقبول قول ذي اليد وفي عبادة كل شخص ومعاملته بالنسبة اليه وأمثال ذلك فاللازم في كل مورد التفحّص عن دليل خاصّ به أو عام يشمله هذا كلامه وأنت خبير بان هذا بعد كونه تكرار منه وتطويلا بلا فائدة مما مدخوليته واضحة فنقول ان مثل هذا البحث مما لا يليق ان يصدر من الفقيه الأصولي بل مما يشتبه بكلمات المتفقهين الصادرة عن عدم اتقان القواعد المحكمة والمسائل المتقنة من صناعة الأصول إذ قد عرفت ان القواعد مما تقبل التخصيص فأية قاعدة من القواعد لم تخصّص وكذا مداركها من العمومات والمطلقات اللهم الا ان بلغت مبلغ أصول المذهب بالمعنى الأخصّ فمثل ذلك البحث بعد تسليم دلالة الدليل أو الاغضاء عنها ليس من الواقع في مخرّة فما أشبه قوله ولا يعلم في الموارد التي يكون الحكم فيها موافقا للقاعدة انه لأجل ما يقتضيه القاعدة بقول الاخباريّين في مقامات كثيرة ومنها مقام انكارهم حجيّة الاستصحاب في غير الموضوعات ومتعلّقات الاحكام تشبثا بمثل هذا وذهولا عن تماميّة دلالة الاخبار عليه وأعجب من الكلّ قوله كما هو الظاهر من التخصيص بالخمسة في مرسلة يونس فيا ليت شعري بمراده من هذا الكلام وتسديده بذلك المقصد والمرام إذ ليس هذا الّا « 1 » الخلقة المتداعية كلما خيطت ورقعت من جانب تهتكت من جانب آخر فان الاستدلال بالخبر الضّعيف الغير المنجبر في مثل المقام كما ترى على أنه ليس فيه ما يدل على الحصر وان بعض ما فيه كالشهادة مما يعتبر فيه العدالة والتعدد فكيف تدخل فيما فيه نحن فهو ممن أوردها مادة للنقض في المقام وانه ظ في قبول الشهادة إذا كان الشاهد مأمونا وان لم يكن عادلا فهذا كما ترى والحمل على العدل مدخول من وجه آخر كما لا يخفى وانه اشترط كون بائع اللحم ومدّعى النّسب مامونين فيما ذكر فهذا خلاف السّيرة والاجماع ثم انّ من اطرف العجائب قوله ولذا تراهم لا يقتصرون الخ فان هذا الكلام مما صدر عن غفلة محضة إذ اى عيب واىّ ضرر في كون مورد من الموارد موردا لقواعد كثيرة سواء كانت النسبة بينها نسبة العام والخاص أو نسبة العامين من وجه على انك قد عرفت ان بعض فحول صناعة الفقه لم يفرق في هذه القاعدة بين المسلم وغيره ومن طرائف الوقائع ما جعله لما ذكر نتيجة من قوله فقد ظهر مما ذكر انه لا دليل على وجوب حمل افعال المسلم على الصحّة الخ وذلك أنه ما استكثر
--> ( 1 ) كالثياب